الرأي والمقالات

⭕ أحمد هارون (2).. سقوط الإنقاذ وخيانة الأمانة

⭕ أحمد هارون (2).. سقوط الإنقاذ وخيانة الأمانة

مسارب الضي | يكتبه | د. محمد تبيدي

ان حديث مولانا أحمد هارون، أحد أبرز قيادات نظام الإنقاذ ورئيس حزب المؤتمر الوطني، عبر بودكاست السودان، تتكشف ملامح أخرى من روايته السياسية لأحداث الحادي عشر من أبريل 2019م، وما سبقها من ترتيبات وتحولات انتهت بسقوط نظام الرئيس عمر البشير.

هذه المرة لم يتوقف هارون عند توصيف ما حدث بأنه سقوط للنظام، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، واعتبر أن ما جرى لم يكن ثورة، وإنما انقلاباً وخيانة لأمانة التكليف، محمّلاً اللجنة الأمنية التي كانت مكلفة بحماية الدولة والنظام مسؤولية ما حدث.

– اللجنة الأمنية.. من الحماية إلى إسقاط النظام:

طرح هارون اتهامات مباشرة للفريق أول عوض بن عوف ومن معه، مشيراً صلاح قوش، المدير السابق لجهاز الأمن والمخابرات، باعتباره مهندساً للتحركات التي انتهت بالإطاحة بالنظام.

ويرى هارون أن اللجنة الأمنية خانت أمانة المسؤولية التي أُوكلت إليها، وأن تحركاتها أدخلت البلاد في مسار سياسي معقد، لا تزال تدفع ثمن تداعياته.

وهذه رواية سياسية تستحق التوقف عندها، خاصة أن أحداث أبريل 2019م ظلت موضع خلاف في توصيفها وتفسير أدوار أطرافها العسكرية والسياسية.

– لماذا تركنا السلطة؟

من أكثر النقاط إثارة في حديث هارون إشارته إلى أن قيادة الإنقاذ، وفق روايته، كانت تمتلك القوة والعدد والعتاد، وكانت تواصل افتتاح المشروعات الخدمية، لكنها اختارت عدم التمسك بالسلطة.

وبرر ذلك بأن دماء أبناء الشعب السوداني عزيزة وغالية، وأن استمرار المواجهة كان يمكن أن يفتح أبواباً لشلالات من الدماء.

وقال إن تقديرهم للموقف وقتها كان يقوم على ترك الفرصة للشباب لرؤية وجه آخر للحكم، بعيداً عن تجربة الإنقاذ، ولذلك تركوا لهم الخيار طائعين، بحسب تعبيره.

وهنا تبرز قضية سياسية وتاريخية مهمة: هل كان التخلي عن السلطة قراراً لتجنب المواجهة الدموية، أم أن توازنات القوة والشارع والجيش فرضت مساراً لم يعد ممكناً تجاوزه؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تستند إلى رواية طرف واحد، بل تحتاج إلى قراءة شاملة لشهادات الفاعلين والوقائع التي أحاطت بتلك المرحلة.

– الكونفدرالية وحكم الأقاليم:

وفي جانب آخر، استعاد هارون دعوته القديمة إلى الكونفدرالية، وعدم تركيز السلطة والموارد في الخرطوم وأمدرمان والخرطوم بحري.

وهي إشارة مهمة إلى واحدة من أعمق مشكلات الدولة السودانية وهي اختلال توزيع السلطة والثروة، واحتكار المركز لقرار البلاد ومصير أقاليمها.

كما تحدث عن دور حكومته في نشر التعليم وتوسيع خدمات الاتصالات وتنفيذ المشروعات، معتبراً أن ما تحقق كان جزءاً من واجب الدولة تجاه المواطنين.

لكن الحديث عن الإنجازات لا يعفي أي تجربة حكم من مراجعة إخفاقاتها، ولا يلغي الأسئلة المتعلقة بالحريات والعدالة وتوزيع الثروة وإدارة التنوع السوداني.

– رواية مسارب الضي:

إن حديث أحمد هارون يعيد فتح ملف أبريل 2019م، ليس باعتباره مجرد نهاية نظام سياسي، وإنما باعتباره منعطفاً تاريخياً يحتاج السودان إلى فهم ملابساته وتحديد المسؤوليات عن تداعياته.

فالسلطة أمانة، والتغيير حق جماهيري، وحماية الدولة مسؤولية لا تحتمل المغامرات السياسية. كما أن احترام إرادة المواطنين لا يتعارض مع ضرورة حماية مؤسسات الدولة واستمرارها.

والأهم أن السودان لا يمكن أن يبني مستقبله بتبادل الاتهامات وحدها، وإنما بمراجعة التجارب، وكشف الحقائق، وتحقيق العدالة، وتأسيس حكم لا يحتكر فيه المركز ولا الحزب ولا المؤسسة العسكرية قرار الوطن.

قد يختلف السودانيون حول تسمية ما حدث في أبريل 2019م، بين ثورة وانقلاب وانتقال سياسي، لكنهم لا يختلفون على أن البلاد دخلت بعده مرحلة من الاضطراب العميق.

ويبقى السؤال الذي يستحق إجابة تاريخية موثقة:
من يتحمل مسؤولية القرارات التي أوصلت السودان إلى هذا المنعطف؟
وهل كانت هناك فرص حقيقية لتجنب المسار الذي انتهى إلى حرب الخامس عشر من أبريل 2023م؟

إن التاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، ولا تبرئه رواية طرف واحد، وإنما تنصفه الحقائق والشهادات والوثائق.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى