🔴 الفاشر لازم ترجع مسارب الضي | يكتبه | د. محمد تبيدي

⭕ شبكة مسارب الضي الإخبارية
🔺 السودان | ذكرى سقوط الفاشر | 27 أكتوبر 2026م
🔴 الفاشر لازم ترجع
مسارب الضي | يكتبه | د. محمد تبيدي
ليست الفاشر مجرد مدينة سقطت، وليست ذكرى عابرة في سجل الحرب السودانية، بل هي وجع وطن، وجرح مفتوح في ذاكرة أمة، وحكاية مدينة صمدت طويلاً في وجه الحصار والجوع والخوف، حتى أصبحت رمزاً للصمود والتضحية، قبل أن تتجرع مرارة السقوط والفقد والنزوح.
في ذكرى سقوط الفاشر، تتجدد الأحزان، وتعود إلى الذاكرة صور الأمهات الثكالى، والأطفال الذين شردتهم الحرب، والأسر التي فقدت منازلها ومصادر رزقها، والرجال الذين غابوا في دروب المعارك، والوجوه التي تركت خلفها مدينة كانت تعج بالحياة، لتجد نفسها أمام واقع قاسٍ لا يشبه تاريخها ولا مكانتها.
الفاشر ليست مدينة عادية في جغرافيا السودان، إنها عاصمة شمال دارفور، وحاضرة تاريخية عريقة، وملتقى طرق التجارة والثقافة والقبائل، ومركز اجتماعي واقتصادي وسياسي ظل يحتفظ بمكانته في وجدان أهل دارفور والسودان عموماً.
ولذلك فإن سقوط الفاشر لم يكن حدثاً عسكرياً فحسب، بل كان زلزالاً إنسانياً واجتماعياً، أصاب أهل المدينة في أمنهم وكرامتهم واستقرارهم، وامتدت آثاره إلى كل بيت سوداني يعرف معنى الوطن، ويدرك أن المدن لا تسقط وحدها، بل تسقط معها أحلام الناس وذكرياتهم وممتلكاتهم وطمأنينتهم.
الفاشر.. مرارة السقوط ووجع الفقد
إن استحضار ذكرى سقوط الفاشر لا يعني الوقوف عند مشاهد الألم وحدها، بل يعني قراءة ما جرى بوعي ومسؤولية، واستيعاب حجم الخسارة التي تعرض لها السودان في واحدة من أكثر محطات الحرب قسوة.
لقد عاش أهل الفاشر أياماً عصيبة، وتعرضوا لظروف إنسانية بالغة التعقيد، في ظل الحصار ونقص الغذاء والدواء، وتراجع الخدمات الأساسية، ومخاطر النزوح والتشريد.
وكانت الفاشر، بما تمثله من رمزية تاريخية وموقع استراتيجي، حاضرة في وجدان السودانيين بوصفها مدينة لا يجوز أن تُختزل في أخبار المعارك، ولا أن تُنسى مع مرور الأيام.
فوراء كل خبر عن سقوط موقع أو انسحاب قوة، هناك إنسان فقد بيته، وأسرة تفرقت، وطفل حُرم من مدرسته، ومريض انقطعت عنه الرعاية، وامرأة تحمل على كتفيها مسؤولية النجاة بأطفالها في ظروف لا ترحم.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن تبقى حاضرة في كل حديث عن الفاشر: أن الحرب لا تترك خلفها أرقاماً فقط، بل تترك جراحاً عميقة في النفوس، وندوباً تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تلتئم.
الفاشر ليست نهاية الحكاية
ومع كل هذا الألم، فإن ذكرى سقوط الفاشر لا ينبغي أن تتحول إلى إعلان استسلام للواقع، أو إلى مناسبة لتكريس اليأس في نفوس السودانيين.
فالأوطان لا تُقاس بلحظات الانكسار، وإنما بقدرتها على النهوض من تحت الركام، واستعادة عافيتها، وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
والفاشر، التي عرفت الصمود عبر تاريخها، تستحق أن تكون عنواناً للأمل، لا عنواناً للغياب.
إن العودة إلى الفاشر ليست مجرد عودة إلى جغرافيا، بل هي عودة إلى البيوت، وإلى المدارس، وإلى الأسواق، وإلى المستشفيات، وإلى الحياة التي سلبتها الحرب من أهلها.
هي عودة النازحين إلى أرضهم، وعودة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، وعودة المزارعين إلى حقولهم، والتجار إلى أسواقهم، والأسر إلى أحيائها التي تحمل ذكريات العمر.
وهي كذلك عودة الدولة ومؤسساتها، واستعادة الأمن والاستقرار، وتوفير الخدمات الأساسية، وضمان حماية المدنيين، ومحاسبة كل من ارتكب انتهاكات بحق المواطنين.
مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل
إن استعادة الفاشر مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتتطلب رؤية متكاملة تجمع بين حماية المدنيين، ومعالجة الأوضاع الإنسانية، واستعادة مؤسسات الدولة، والعمل على إعادة إعمار المدينة وتأهيل بنيتها التحتية.
ولا يكفي أن نتحدث عن العودة دون أن نضع لها مقوماتها الحقيقية.
فالفاشر ليست مسؤولية أهلها وحدهم، بل مسؤولية كل سوداني يرى في وحدة البلاد واستقرارها قضية لا تقبل المساومة.
الفاشر في ذاكرة الوطن
ستظل الفاشر حاضرة في ذاكرة السودانيين، ليس فقط بما شهدته من حرب ودمار، وإنما بما تمثله من معاني الصمود والانتماء والتاريخ.
وستظل صور النازحين وهم يحملون ما تبقى من متاعهم، وأصوات الأمهات وهن يبحثن عن أبنائهن، ودموع الذين تركوا خلفهم بيوتهم، شاهدة على واحدة من أقسى مآسي السودان المعاصر.
لكن هذه الذاكرة يجب ألا تكون ذاكرة ألم فقط، بل ذاكرة تدفع إلى العمل، وتحفز على استعادة الحقوق، وتمنع تكرار المأساة في أي مدينة سودانية أخرى.
إن السودان الذي يريد أن يتعافى من الحرب، لا بد أن يجعل من الفاشر قضية وطنية، ومن معاناة أهلها أولوية إنسانية، ومن عودتها إلى الحياة هدفاً جامعاً.
الفاشر لازم ترجع..
ترجع لأهلها، وترجع إلى تاريخها، وترجع إلى مكانتها في قلب السودان.
لا نريدها أن تبقى حبيسة في يد مليشيا آل دقلو المُتمردة وكفيلهم محمد بن زايد وفي أنفسنا صور النزوح والدمار والقتل والتصفية الجسدية العرقية والتباهي بعدد القتلة علي يد أبولولو وأمثاله من سفاحي مليشيا الدعم السريع، ولا أن تتحول إلى ذكرى مؤلمة نتداولها كل عام ثم نمضي.
نريدها مدينة تنبض بالحياة، وتفتح أبواب مدارسها، وتضيء شوارعها، وتستعيد أسواقها، وتحتضن أبناءها الذين فرقتهم الحرب.
إن سقوط الفاشر مرارة وألم وفقد، لكن الأمل في العودة يجب أن يظل أقوى من كل جراح الحرب.
الفاشر ليست مجرد مدينة نريد استعادتها، بل وطن صغير نريد أن تعود إليه الحياة.
وستظل الفاشر في وجداننا، ما بقي في السودان قلب ينبض بالوطنية، وصوت ينادي بالعودة، وإرادة ترفض أن يكون الخراب هو نهاية الحكاية.
الفاشر لازم ترجع.. والعودة حق، والأمل عهد، والوطن لا يكتمل إلا بعودة مدنه وأهله إلى الحياة.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة



