🔴 البرهان إلى موسكو.. زيارة استراتيجية تتجاوز البروتوكول وتفتح أبواب الشراكة مع روسيا تقرير: مسارب الضي

⭕ شبكة مسارب الضي الإخبارية
🔺 موسكو | رسالة السودان إلى القمة الروسية الأفريقية
السبت | 24 أكتوبر 2026م
🔴 البرهان إلى موسكو.. زيارة استراتيجية تتجاوز البروتوكول وتفتح أبواب الشراكة مع روسيا
تقرير: مسارب الضي
موسكو.. دبلوماسية المصالح في زمن التحديات
تتجه الأنظار إلى العاصمة الروسية موسكو، مع مغادرة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، على رأس وفد سوداني رفيع المستوى، للمشاركة في أعمال القمة الروسية الأفريقية الثالثة، المقرر انعقادها يومي 28 و29 أكتوبر الجاري، في محطة دبلوماسية تكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما تفرضه الحرب من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية.
وتأتي هذه المشاركة في توقيت تتزايد فيه حاجة السودان إلى توسيع علاقاته الدولية، وتنويع شراكاته الاستراتيجية، واستثمار الحضور في المحافل الدولية للدفاع عن سيادته ومصالحه الوطنية، وفتح مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري، بما يسهم في تخفيف الضغوط التي تواجه الدولة، ويمهد الطريق أمام مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الوطني.
إن زيارة البرهان إلى موسكو ليست مجرد مشاركة في مناسبة دولية تجمع روسيا بالدول الأفريقية، بل تمثل فرصة لطرح القضايا السودانية على طاولة الحوار مع واحدة من القوى الدولية المؤثرة، وبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية على أسس المصالح المتبادلة، وتحويل المواقف السياسية والتفاهمات الدبلوماسية إلى برامج تعاون ملموسة تخدم السودان وشعبه.
القمة الروسية الأفريقية.. من الحوار السياسي إلى الشراكة العملية
تأتي القمة الروسية الأفريقية الثالثة امتداداً لمسار التعاون الذي انطلق من مدينة سوتشي الروسية عام 2019، ثم تواصل في مدينة سانت بطرسبرغ عام 2023، وسط اهتمام متزايد بتعزيز العلاقات بين موسكو والعواصم الأفريقية في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي.
وتكتسب النسخة الثالثة أهمية إضافية من زاوية ضرورة الانتقال من تبادل الرؤى والتصريحات إلى بناء شراكات قابلة للتنفيذ، تقوم على الاتفاقات الواضحة، والمشروعات المحددة، والجداول الزمنية، والالتزامات المتبادلة.
وبالنسبة للسودان، فإن المشاركة في هذا المحفل تتيح فرصة لعرض احتياجات البلاد، وشرح تداعيات الحرب على مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع، وبحث إمكانات التعاون في المجالات التي يمكن أن تسهم في استعادة الاستقرار، وتعزيز قدرات الدولة، ودعم جهود إعادة بناء القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وتبرز أهمية هذه المشاركة أيضاً في ظل التنافس الدولي على المصالح والنفوذ في أفريقيا، وما تمتلكه القارة من موارد طبيعية وأسواق واعدة ومواقع استراتيجية. ويظل التحدي أمام السودان هو كيفية توظيف هذه التحولات الدولية لصالحه، دون الارتهان لمحور واحد أو التفريط في استقلال قراره الوطني.
مستوى التمثيل الرئاسي.. رفع سقف الطموحات
يرى الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي الدكتور أسامة محمد عبد الرحيم أن الزيارة المرتقبة للبرهان تكتسب أهمية استراتيجية تتجاوز المشاركة البروتوكولية، بالنظر إلى تعقيدات المشهد السوداني وتداخل تحديات الحرب مع التحولات الإقليمية والدولية.
ويشير هذا التقدير إلى أن المشاركة على مستوى رئيس مجلس السيادة تحمل دلالة سياسية تتصل برفع مستوى التواصل المباشر بين القيادتين، وإتاحة المجال أمام مناقشة الملفات الثنائية ذات الأولوية، إلى جانب تعزيز الحضور السوداني في المحافل الدولية.
وتأتي هذه المشاركة بعد أن مثّل نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، السودان في القمة السابقة عام 2023، الأمر الذي يجعل مستوى التمثيل الحالي مؤشراً على أهمية الملفات المطروحة، وحاجة الخرطوم إلى توسيع تحركاتها الدبلوماسية في هذه المرحلة.
ويرافق البرهان، بحسب المعلومات الواردة بشأن الزيارة، وزير الخارجية محيي الدين سالم وعدد من المسؤولين، في وفد يُنتظر أن يحمل ملفات سياسية واقتصادية تتصل بمستقبل العلاقات بين البلدين.
غير أن قيمة التمثيل الرئاسي لا تُقاس بالمشاركة وحدها، وإنما بما يمكن أن تفضي إليه من تفاهمات واتفاقات، ومدى قدرة المؤسسات السودانية على متابعة تنفيذها وتحويلها إلى نتائج محسوسة على أرض الواقع.
فالسودان لا يحتاج إلى توسيع دائرة اللقاءات الدبلوماسية فحسب، بل يحتاج إلى دبلوماسية اقتصادية فاعلة، تربط العلاقات السياسية بمصالح المواطنين، وتفتح المجال أمام الإنتاج والاستثمار والتجارة، وتدعم قدرة الدولة على تجاوز آثار الحرب.
روسيا والسودان.. أرضية سياسية ومصالح مشتركة
ظلت العلاقات السودانية الروسية إحدى القنوات التي سعت الخرطوم إلى الاستفادة منها في تحركاتها الخارجية، خصوصاً في ظل ما يواجهه السودان من تحديات تتعلق بالحرب، ووحدة أراضيه، واستقرار مؤسساته الرسمية.
وقد أشار مراقبون إلى أهمية المواقف الروسية المتعلقة بسيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته، باعتبارها أرضية سياسية يمكن البناء عليها في تعزيز التواصل الثنائي، وطرح القضايا السودانية في المحافل الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن.
ويكتسب هذا المسار أهمية في ظل تعدد المبادرات الدولية بشأن الحرب السودانية، وتباين المواقف حول ترتيبات وقف القتال، ومستقبل العملية السياسية، والضمانات اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار.
ومن هنا، فإن التحرك السوداني في موسكو يقتضي عرض رؤية واضحة بشأن الأزمة، وتحديد المصالح الوطنية التي ينبغي الدفاع عنها، والبحث عن مواقف دولية داعمة لوحدة السودان وسلامة أراضيه، مع التأكيد على أن معالجة الأزمة السودانية يجب أن تنطلق من فهم واقع البلاد واحتياجات شعبها.
كما أن العلاقات الدولية لا تُبنى على المواقف السياسية وحدها؛ إذ تتطلب استمرارية التواصل، وتبادل المصالح، وتحديد الالتزامات، وإدارة الملفات المشتركة بما يحقق التوازن بين اعتبارات الأمن ومتطلبات التنمية.
التعاون العسكري والأمني.. احتياجات السودان وأولويات المرحلة
يشكل التعاون العسكري والأمني أحد الملفات التاريخية في العلاقات السودانية الروسية، في ظل ما عرفته العلاقات بين البلدين من تعاون في مجالات التسليح والتدريب والتأهيل الفني.
ويشير الدكتور أسامة محمد عبد الرحيم إلى أن هذا الجانب يمكن أن يكون ضمن الملفات ذات الأهمية الاستراتيجية، بالنظر إلى احتياجات السودان الدفاعية، والتحديات التي فرضتها الحرب على قدرات القوات المسلحة والمنشآت الحيوية والبنية التحتية.
وتشمل مجالات التعاون المحتملة، من حيث المبدأ، التدريب والتأهيل الفني، والصيانة، وتطوير القدرات الدفاعية، وتعزيز إمكانات المراقبة والاستطلاع، ورفع كفاءة حماية المنشآت الحيوية، وفق احتياجات الدولة وأولوياتها الدفاعية.
لكن التعامل مع هذا الملف ينبغي أن يكون ضمن رؤية شاملة لا تفصل الأمن عن الاقتصاد، ولا تجعل التعاون العسكري بديلاً عن معالجة جذور الأزمة الوطنية.
فاستقرار السودان يتطلب حماية مؤسسات الدولة، وصون سيادتها، وإنهاء الحرب، بالتوازي مع إعادة تشغيل المؤسسات الإنتاجية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوفير الظروف التي تسمح بعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وإعادة بناء الحياة المدنية.
ومن ثم، فإن أي تفاهمات في المجال العسكري تحتاج إلى تقدير دقيق للاحتياجات، ومراعاة الإمكانات المالية للدولة، وربط التعاون بأهداف واضحة تخدم الأمن الوطني على المدى الطويل.
الاقتصاد السوداني.. الثروة التي تنتظر الاستثمار
إذا كان البعد السياسي يمثل أحد أوجه زيارة موسكو، فإن البعد الاقتصادي ينبغي أن يكون في صدارة الأولويات السودانية، باعتباره المدخل الأكثر ارتباطاً بحياة المواطنين ومستقبل البلاد.
ويمتلك السودان موارد واسعة في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والطاقة، إلى جانب موقع جغرافي يربط أجزاء من أفريقيا بالبحر الأحمر وممرات التجارة الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، تمتلك روسيا خبرات صناعية وتقنية وإمكانات يمكن بحث الاستفادة منها في تطوير الإنتاج الزراعي، وتحسين تقنيات التعدين، وتوسيع التعاون في مجال الطاقة، وتأهيل بعض المنشآت الصناعية، وتطوير وسائل النقل والسكك الحديدية.
ويرى الدكتور أسامة أن الزيارة تتيح فرصة للانتقال بالعلاقات السودانية الروسية من التعاون السياسي التقليدي إلى شراكات إنتاجية واستثمارية ذات أثر مباشر على الاقتصاد الوطني.
وهنا تبرز أهمية أن يتعامل الوفد السوداني مع القمة باعتبارها فرصة لطرح مشروعات محددة، لا مجرد عرض عام للإمكانات والموارد.
فالسودان يحتاج إلى استثمارات ترفع الإنتاج، وتخلق فرص العمل، وتزيد الصادرات، وتوفر العملات الأجنبية، وتسهم في تطوير البنية التحتية، مع نقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الكوادر الوطنية.
كما أن نجاح أي شراكة استثمارية يتطلب وجود ضمانات واضحة، ودراسات جدوى واقعية، وشفافية في العقود، وتحديد مسؤوليات الأطراف، ومراعاة المصالح الاقتصادية للسودان، حتى لا تتحول الموارد الطبيعية إلى فرص استثمارية لا تنعكس عوائدها بصورة عادلة على الاقتصاد والمجتمع.
التعدين والطاقة والزراعة.. ثلاثة مسارات للتعاون
تتقدم قطاعات التعدين والطاقة والزراعة قائمة المجالات التي يمكن أن تشكل قاعدة لشراكات اقتصادية سودانية روسية، إذا أحسن الطرفان تحديد المشروعات ذات الأولوية، ووضع الترتيبات اللازمة لتنفيذها.
أولاً: التعدين.
يمثل التعدين أحد القطاعات التي يمكن أن تسهم في زيادة الإيرادات والصادرات، شريطة تطوير عمليات الإنتاج والمعالجة، والحد من التهريب، وتعزيز الرقابة على الموارد، وتوسيع الاستفادة من القيمة المضافة داخل السودان.
ويمكن بحث التعاون في التقنيات التعدينية، وتطوير قدرات المعالجة، وتدريب الكوادر، وتحسين نظم السلامة والرقابة البيئية، بما يساعد على الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تطوير صناعات مرتبطة بها.
ثانياً: الطاقة.
تحتاج عملية التعافي الاقتصادي إلى إمدادات مستقرة من الكهرباء والطاقة، باعتبارها أساساً لتشغيل المصانع والمرافق الخدمية ومشروعات الري والإنتاج الزراعي.
ويمكن أن يشمل التعاون المحتمل تطوير قدرات التوليد، وصيانة المنشآت، وتحسين كفاءة الشبكات، وتوفير التقنيات والمعدات، وفق دراسات فنية ومالية تراعي واقع البنية التحتية السودانية.
ثالثاً: الزراعة والأمن الغذائي.
يمتلك السودان أراضي زراعية واسعة وإمكانات كبيرة في الإنتاج النباتي والحيواني، لكنه يحتاج إلى تحسين الإنتاجية، وتوفير المدخلات الزراعية، وتطوير أنظمة الري والتخزين والنقل والتصنيع الغذائي.
ومن هنا، فإن التعاون مع روسيا في مجالات التكنولوجيا الزراعية والآليات والأسمدة والتدريب وتطوير سلاسل الإمداد يمكن أن يفتح آفاقاً مهمة، إذا ارتبط بمشروعات إنتاجية محددة، وراعى احتياجات المزارعين والمنتجين المحليين.
إن تحويل هذه المجالات إلى مشروعات عملية من شأنه أن يجعل التعاون الاقتصادي أكثر استدامة، وأن يربط العلاقات الخارجية بأهداف التعافي الوطني.
البحر الأحمر.. الموقع الاستراتيجي وحسابات المصالح
يمنح موقع السودان على البحر الأحمر أهمية جيوسياسية واقتصادية خاصة، بالنظر إلى ارتباطه بحركة التجارة الدولية والملاحة البحرية، وقربه من مناطق تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية.
ويشير المحلل السياسي عمار العركي إلى أن أهمية السودان بالنسبة إلى روسيا ترتبط، ضمن عوامل أخرى، بموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، وما يفرضه ذلك من اعتبارات تتصل بالأمن والملاحة والتوازنات الإقليمية.
وتفتح هذه الأهمية الجغرافية المجال أمام بحث التعاون في تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والنقل البحري، وتحسين البنية التحتية المرتبطة بالتجارة، وتعزيز قدرة السودان على الاستفادة من موقعه في حركة التبادل التجاري بين أفريقيا ومناطق العالم المختلفة.
لكن الموقع الاستراتيجي لا يتحول تلقائياً إلى مكاسب اقتصادية أو سياسية؛ إذ يتطلب ذلك مؤسسات قادرة على التخطيط، وسياسات واضحة لإدارة الموانئ والموارد، وبيئة استثمارية مستقرة، وشراكات تحفظ المصالح الوطنية وتراعي الالتزامات القانونية والاقتصادية.
كما أن التعامل مع ملف البحر الأحمر ينبغي أن يستند إلى رؤية سودانية مستقلة، توازن بين التعاون الدولي ومتطلبات الأمن القومي، وتمنع اختزال أهمية البلاد في موقعها الجغرافي دون الاهتمام بتنمية الإنسان والاقتصاد.
إعادة الإعمار.. الاختبار الحقيقي للشراكات الدولية
تفرض الحرب على السودان تحديات تتجاوز المواجهات العسكرية، لتشمل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وتعطل الخدمات، وفقدان مصادر الدخل، وتزايد الاحتياجات الإنسانية.
وفي هذا السياق، تكتسب القمة الروسية الأفريقية أهمية من زاوية إمكانية بحث مساهمات دولية في إعادة الإعمار، وتطوير القطاعات الإنتاجية، وإعادة تأهيل المنشآت الأساسية، ودعم برامج التعافي الاقتصادي.
ويؤكد هذا المسار ضرورة أن يحدد السودان أولوياته بوضوح، وأن يضع قائمة بالمشروعات الأكثر إلحاحاً، تشمل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل والزراعة والصناعة، مع تحديد تكاليفها ومراحل تنفيذها والجهات المسؤولة عنها.
فإعادة الإعمار لا تتحقق بمجرد توقيع مذكرات تفاهم، وإنما تحتاج إلى تمويل مستدام، وإدارة فعالة، ورقابة مؤسسية، وبيئة تسمح بتنفيذ المشروعات واستمرارها.
كما أن توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة يمكن أن يساعد في خلق فرص العمل، وتحسين دخول الأسر، وتقليل الاعتماد على المساعدات، وبناء قاعدة اقتصادية أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.
الدبلوماسية السودانية.. من اللقاءات إلى النتائج
وفي قراءته لمغزى القمة، يرى المحلل السياسي عمار العركي أن مشاركة البرهان تتيح فرصة لتعزيز حضور السودان دولياً، وتوسيع دائرة التواصل مع القيادة الروسية والدول الأفريقية المشاركة، وطرح ملفات السيادة ووحدة الأراضي والتعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار.
ويشير هذا التقدير إلى أن التحدي الأساسي أمام التحرك السوداني يتمثل في القدرة على تحويل اللقاءات والتفاهمات إلى مصالح ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بالمشاركة الرمزية في المحافل الدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الدبلوماسية السودانية في موسكو يرتبط بعدة أولويات:
أولها، تقديم رؤية سياسية واضحة تعكس موقف السودان من الحرب، وتؤكد ضرورة الحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها وسيادتها.
وثانيها، طرح ملفات اقتصادية محددة، تتضمن مشروعات قابلة للتنفيذ في مجالات الزراعة والتعدين والطاقة والنقل والصناعة.
وثالثها، تشكيل آليات متابعة مشتركة تتولى تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وتحدد الجداول الزمنية والجهات المسؤولة عن كل ملف.
ورابعها، توسيع دائرة العلاقات السودانية لتشمل مختلف الشركاء الدوليين، بما يتيح فرصاً أوسع للتعاون، ويحافظ على استقلال القرار الوطني.
وخامسها، ربط نتائج التحرك الخارجي باحتياجات المواطن السوداني، بحيث تنعكس الاتفاقات في فرص العمل والإنتاج والخدمات وتحسين الأوضاع المعيشية.
فالدبلوماسية الفاعلة ليست تلك التي تحقق أكبر عدد من اللقاءات، وإنما التي تنجح في بناء مصالح مستدامة، وتوفر للدولة خيارات أوسع في مواجهة التحديات.
رواية مسارب الضي للمقال
إن زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى موسكو تضع السودان أمام فرصة مهمة لإعادة تنشيط علاقاته الدولية، وفتح مسارات جديدة للتعاون مع روسيا والدول الأفريقية، في مرحلة يحتاج فيها إلى حشد الدعم السياسي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز قدرته على مواجهة آثار الحرب.
غير أن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين أهمية الزيارة من حيث التوقيت ومستوى التمثيل، وبين النتائج التي يمكن أن تحققها فعلياً. فالمشاركة الرئاسية تمنح التحرك الدبلوماسي مساحة أوسع للحوار، لكنها لا تمثل في حد ذاتها ضمانة لنجاح الاتفاقات أو تدفق الاستثمارات.
والرهان الحقيقي يتمثل في قدرة الوفد السوداني على الانتقال من عرض التحديات إلى تقديم مشروعات واضحة، ومن تأكيد المصالح المشتركة إلى وضع التزامات قابلة للقياس والتنفيذ.
كما أن السودان، وهو يسعى إلى تعزيز علاقاته مع موسكو، يحتاج إلى الحفاظ على توازن علاقاته الخارجية، وتوسيع خياراته الاقتصادية، وعدم حصر مستقبل التعاون في دولة واحدة أو مجموعة محدودة من الشركاء.
فالموارد السودانية لا ينقصها التنوع، والموقع الجغرافي لا تنقصه الأهمية، لكن الاستفادة منهما تتطلب الاستقرار، والإدارة الرشيدة، والشفافية، وتطوير المؤسسات، وحماية المصالح الوطنية في جميع الاتفاقات.
وتبقى الأولوية الكبرى هي إنهاء الحرب واستعادة الأمن، وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية، وإعادة بناء الاقتصاد على أسس الإنتاج والعمل، حتى تصبح الشراكات الدولية أدوات حقيقية للتعافي، لا مجرد عناوين سياسية تتصدر الأخبار ثم تنتهي بانتهاء الزيارات.
الخاتمة
تأتي زيارة البرهان إلى موسكو في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، حيث تتشابك تحديات الحرب مع متطلبات السياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار. وتمنح القمة الروسية الأفريقية الثالثة الخرطوم فرصة لتوسيع حضورها الدولي، وتعزيز علاقاتها مع موسكو والعواصم الأفريقية، وطرح احتياجاتها الوطنية على طاولة الحوار.
لكن قيمة هذه المشاركة ستتحدد بما تسفر عنه من نتائج عملية، ومدى قدرة الدولة على تحويل التفاهمات إلى اتفاقات واضحة، والاتفاقات إلى مشروعات منتجة، والمشروعات إلى عوائد تنعكس على حياة المواطنين.
فالسودان لا يحتاج إلى شراكات تحمل أسماء كبيرة فحسب، بل إلى شراكات تحمي مصالحه، وتدعم إنتاجه، وتوفر فرص العمل لشبابه، وتسهم في إعادة بناء ما دمرته الحرب.
وفي موسكو، تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تحمله اللقاءات من فرص جديدة، ويبقى الأمل أن تكون هذه الزيارة خطوة عملية نحو توسيع خيارات السودان، وتعزيز سيادته، وفتح أبواب التعاون الذي يخدم استقراره ومستقبله.
مسارب الضي.. نكتب للوطن، ونرصد الأحداث، ونقرأ ما وراء الخبر.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة.